عاجل
أحدث الأخبار العاجلة تجدها هنا • تابع آخر التطورات

ارتفاع وفيات الانتحار في لبنان بين 2025 و2026: تحليل أعمق للبيانات والسياق

فريق التحرير
١٢ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٢ ص3 دقائق قراءة3 مشاهدة
وفيات الانتحار في لبنان
وفيات الانتحار في لبنان

شهدت الفترة الممتدة من مارس إلى مايو من العامين 2025 و2026 في لبنان زيادة ملحوظة في عدد الوفيات المسجلة نتيجة الانتحار، حيث ارتفعت من 38 حالة إلى 50 حالة، ما يعادل نمواً يقارب ثلاثين في المئة. هذه الزيادة لا تُعَدّ مجرد إحصائية رقمية، بل هي انعكاس لتراكم أزمات متعددة أثرت على صحة المجتمع النفسية، وتستدعي تحليلاً شاملاً لتفاصيلها وتأثيراتها على الأسر والبيئة المجتمعية.

البيانات الرسمية والاتجاهات الزمنية

تُظهر الأرقام الصادرة عن قوات الأمن الداخلي، والتي نقلتها جمعية "إمبرايس"، أن عدد الوفيات بالانتحار قد شهد تقلبات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2019 بلغ العدد 171 حالة، ثم انخفض إلى 115 حالة عام 2021 بانخفاض قدره ثلاثون في المئة، قبل أن يرتفع مرة أخرى إلى 168 حالة في 2023. استمر الانخفاض إلى 129 حالة في 2024، ثم ارتفع إلى 147 حالة عام 2025 بزيادة أربعة عشر في المئة، وصولاً إلى 50 حالة في الربع الأول من 2026 مقارنة بـ 38 حالة في نفس الفترة من العام السابق.

هذه التقلبات لا تُظهر نمطاً ثابتاً، بل تكشف عن علاقة معقدة بين الأزمات الاقتصادية، والاضطرابات الاجتماعية، والظروف الأمنية المتقلبة التي يمرّ بها لبنان. من المهم الإشارة إلى أن الأرقام قد لا تعكس الحقيقة الكاملة، إذ تُشير المعالجة النفسية عبير جمول إلى احتمال وجود حالات غير مسجلة نتيجة للوصمة الاجتماعية والاعتبارات الدينية التي تدفع بعض العائلات إلى إخفاء الحوادث.

الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية

في ظل تزايد الضغوط، أطلقت وزارة الصحة بالتعاون مع جمعية "إمبرايس" خطاً وطنياً ساخناً لتقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. يلقى هذا الخط أكثر من ستين اتصالاً يومياً، وهو ما يعكس الحاجة المتزايدة للمساعدة الفورية في أوقات الأزمات. وتؤكد عبير جمول، المشرفة على الخط، أن كل اتصال يمثل فرصة للتدخل المبكر قد تنقذ حياة، مشددةً على أن "هذه خمسون حياة، وخمسون عائلة تعيش خسارة لا تقاس بالأرقام".

تُظهر هذه الأرقام أن الطلب على الخدمات النفسية يتجاوز مجرد الاستفسار؛ فهو يُظهر أن الكثير من اللبنانيين يعيشون في حالة من العزلة أو يواجهون صعوبات مالية أو صحية تجعلهم أكثر عرضة للانتحار. وعليه، فإن توفير خدمات الدعم النفسي عبر الخط الساخن يُعدّ خطوة أساسية لتقليل الفجوة بين الحاجة إلى المساعدة وإمكانية الوصول إليها.

العوامل المؤثرة على ارتفاع الوفيات

تشير التحليلات إلى أن لا عامل واحد يمكن أن يفسر الارتفاع المتسارع في عدد الوفيات بالانتحار. فالضغط الاقتصادي المتفاقم، نتيجة لتدهور العملة وارتفاع الأسعار، يضيف عبئاً كبيراً على الأسر، خاصةً تلك التي فقدت مصادر دخلها بسبب النزوح أو تدمير الممتلكات جراء الحروب المتلاحقة. كما أن العزلة الاجتماعية، وفقدان الأمل، وتاريخ محاولات سابقة للانتحار تُعدّ عوامل محفزة لتفاقم الحالة النفسية.

وبالإضافة إلى ذلك، تُظهر البيانات أن الفئات العمرية الأصغر سناً هي الأكثر تضرراً. ففي عام 2024، شكلت الفئة التي تقل أعمارها عن 39 عاماً نحو 48% من الوفيات، بينما في عام 2023، كان 121 من أصل 168 حالة تتراوح أعمارهم بين 13 و42 عاماً. هذه الأرقام تدل على أن الشباب يواجهون تحديات خاصة، مثل فقدان فرص التعليم والعمل، والضغوط الأسرية المتزايدة.

السياق الاجتماعي والاقتصادي المتراكم

منذ عام 2019، يعاني لبنان من سلسلة من الأزمات المتلاحقة: أزمات صحية كجائحة كوفيد-19، أزمات اقتصادية أدت إلى انهيار النظام المصرفي، وأزمات اجتماعية ناتجة عن النزوح الداخلي والخارجي بسبب الصراعات الإقليمية. كل هذه العوامل تُشكّل بيئة غير مستقرة تجعل من الصعب على الأفراد التكيف مع الضغوط اليومية، وتزيد من مخاطر الانتحار.

وعلى ضوء ذلك، تؤكد عبير جمول أن "الضغط المتراكم لا يمكن فصله عن الأزمات المتلاحقة"، مشيرةً إلى أن فقدان المنازل، وانعدام فرص العمل، وتكرار الانفجار الاقتصادي يخلقون حالة من اليأس المستمر التي تُضعف القدرة على التكيف وتُعزز الشعور بالعجز.

ختاماً، يبقى التحدي الرئيسي هو بناء نظام مراقبة وطني موحد يجمع بين سجلات الأمن الداخلي، والمستشفيات، والطب الشرعي، والسجلات الصحية، لتوفير بيانات دقيقة تساعد على توجيه السياسات الوقائية وتوفير الموارد اللازمة لتقليل عدد الوفيات بالانتحار في المستقبل.

هل أعجبك الخبر؟ شاركه